اخرالاخبارالعربية والدولية

في الذكرى الـ950 لاحتلال الصليبيين القدس.. قصة حرب تحرير تواصلت قرنين بدأها الزنكيون ورسّخها الأيوبيون وحسمها المماليك

لقد أنقذتم “المسجد الأقصى الذي.. هو أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين..؛ فطوبَى لكم من جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية والوقعات البدْرية، والعزمات الصديقية والفتوحات العمرية، والجيوش العثمانية والفتكات العلوية! جددتم للإسلام أيام القادسية والملاحم اليرموكية، والمنازلات الخيبرية، والهجمات الخالدية؛ فجزاكم الله عن نبيه محمد ﷺ أفضل الجزاء، وشكر لكم ما بذلتموه من مُهَجِكم في مقارعة الأعداء”!!

جاءت تلك العبارات في “خطبة الفتح” التي ألقاها قاضي القضاة محيي الدين ابن الزكي الشافعي (ت 598هـ/1105م) بمحضر السلطان صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ/1193م)، في أول جمعة أقيمت بالمسجد الأقصى بعد تحريره من الصليبيين سنة 583هـ/1187م. لكن ما قصة هذه الفتح وما تلاه من فتوح؟ وما قصة حرب التحرير الكبرى التي امتدت قرنين كاملين تسلم فيهما الراية جيل من جيل؟ وما هي العوامل السياسية والعسكرية والدينية التي شكلت معالم تلك المقاومة الحضارية الكبرى؟

إن هذا المقال -الذي يأتي في ذكرى مرور 950 سنة هجرية على بدء الاحتلال الصليبي للمنطقة و750 سنة على تطهيرها منه- يحاول أن يجيب على تلك الأسئلة؛ فقصة حرب التحرير لم تكن قصة مَلِك بعينه ولا حكاية شعب بمفرده، بل هي ملحمة كبرى التأمت خطوطها وخيوطها بالتدريج، فكان أول تجلياتها هو انقداح زناد جيوب المقاومة في لحظة الاستباحة، معلنةً أن الأمة قررت ألا تعترف بالهزيمة في وقت الهزيمة!

وللتصدي للتحدي الصليبي المقتحِم؛ وُضِعت مخططات طويلة المدى لأمة يجب أن تتحرر في ميادين الوعي أولا قبل ساحات القتال، مع فهم واسع لمضامين التحرر التي كان أعلاها التوحيد وثمرتها هي التحرير، وكان قطب ذلك كله طلائع من عظماء الزعماء في بيوت الإمارة بدءا من قادة السلاجقة في الموصل بالعراق، ثم آل زنكي في الشام الذين وضعوا “خريطة طريق” للتحرير تبدأ بتوحيد القوى الإسلامية في الشام ومصر بعد تصفية البؤر السياسية المتخاذلة، وتُعزز بفكرة الإصلاح الديني والمذهبي والتنموي الشامل الذي يقوم على تمكين العلماء المصلحين والخبراء المخلصين.

ثم امتد الأثر الزنكي مع الأيوبيين الذين استنبتوا جذور هذا المشروع في مصر ضمن أخطر عملية تحول تاريخي، وفي أيامهم تمت إعادة الاعتبار إلى الأقصى باعتباره “ثالث الحرمين الشريفين”؛ وهذا يعني تحصين قضية القدس في قلوب المسلمين بالعناية الروحية والدينية البالغة. ورغم ما شهدته معركة التحرير من نكسات وتجدد لها من عثرات؛ فإنها واصلت المسير بزخم معتبر حتى تسلمت دولة المماليك رايتها، فبنى قادتها على الخطة الكبرى المتسلسلة وصولا بها إلى الحسم الكلي للصراع.

وبذلك النشاط المقاوم المتلاحق الأجيال والأفعال؛ تطهرت المنطقة العربية والإسلامية بالشام ومصر من الاحتلال الصليبي قرابة خمسة قرون، إلى أن سوّلت للإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت (ت 1236هـ/1821م) نفسُه أن يجدد عادة بلاده في إذكاء جذوة الحروب الصليبية بحملته على مصر وسواحل الشام سنة 1212هـ/1797م.

ولم يكن ذلك حقا بالأمر الغريب على الفرنسيين، إذْ ما “كانت الحرب الصليبية الأولى في الأغلب الأعم [إلا] مغامرة فرنسية”؛ كما يقول مؤرخ الحضارات الأميركي وِيلْ ديورانت (ت 1402هـ/1981م) في ‘قصة الحضارة‘. وكذلك ليس الاحتلال الإسرائيلي اليوم لفلسطين سوى “مغامرة غربية”، حل فيها المكر الصهيوني مكان الكيد الصليبي فقلده في طرق الامتداد ووسائل الإمداد!!

ولذا فإن قصة حرب التحرير الكبرى هذه ملحمة ملهمة في دلالتها على طُرق اكتساب مقومات النصر، وعوامل التغلب على مسارب الهزيمة، وبيان أن مشاريع نهضة الأمة قد تختلف تفاصيلها وعياً وسعياً، لكنها تتفق في الجوهر والمضمون: التوحيد والتحرير!!

التاريخ الإسلامي - المساجد والكنائس - تراث

مشهد فوضوي
خلال نصف القرن الذي سبق هجمة الاحتلال الصليبي لمناطق واسعة من جغرافية المشرق العربي الإسلامي (440-490هـ/1049-1099م)؛ اتّسم المشهد السياسي في هذه المنطقة بالفوضى والتناحر والانقسام. ففي بدايات تلك الحقبة اختفت الدولة البويهية التي كانت تسيطر على العراق، وحلت مكانها الدولة السلجوقية التي سرعان ما أصبحت دولة مترامية الأطراف تمتد من وسط آسيا وحتى شواطئ البحر المتوسط.

أما مصر فكانت حينها تخضع لحكم الخلفاء الفاطميين الذين كانت مصائرهم تتجه ليكونوا -مثل نظرائهم العباسيين- ألعوبة في أيدي من عُرفوا لاحقا بـ”الوزراء العظام”، وهو ما أطمع السلاجقة في انتزاع الشام منهم قبل أن يتمكن الوزير الفاطمي القوي الأفضل الجَمَالي الأرمني (ت 515هـ/1121م) من استعادة السيطرة على فلسطين والقدس الشريف سنة 491هـ/1098م؛ أي قبل وصول الحملة الصليبية الأولى بعام واحد.

لقد أدى نجاح السلاجقة في إحياء قوة المسلمين وتوسعهم على حساب البيزنطيين -بعد إبادتهم جيشهم في معركة ملاذكرد سنة 463هـ/1071م- إلى هزة عنيفة في العالم الأوروبي؛ فاستوجب ذلك -ضمن أسباب أخرى- إعلانه حربا صليبية على المشرق الإسلامي، تستفيد من حالة التمزق والوهن التي تضرب بلاد الإسلام في أضلاع مثلثه الحيوي: العراق والشام ومصر.

وكان من اللافت تزامن هذه الهجمة الصليبية على المشرق مع “حروب الاسترداد” الإسبانية في الأندلس التي كانت أولى نتائجها سقوط مدينة طُليطلة سنة 478هـ/1085م، واستكمال النورمانديين المسيحيين سيطرتهم على جزيرة صقلية سنة 484هـ/1091م بعد تدشينهم احتلالها سنة 444هـ/1053م.

وقد لاحظ الإمامُ أبو الحسن السلمي الدمشقي (ت 500هـ/1106م) -في كتابه ‘الجهاد‘ الذي ألفه بُعيد سيطرة الصليبيين على القدس لاستنهاض الأمة للدفاع عن أوطانها ومقدساتها- هذا التزامنَ الغريب؛ فقال: “فوثبت طائفة (= من الصليبيين) على جزيرة صقلية على حينِ تباينٍ من أهلها وتنافسٍ، وتملكوا بمثل ذلك بلدا بعد بلد من الأندلس، ولما تناصرت (= تواترت) الأخبار عندهم بما عليه هذه البلاد [الشامية] من اختلاف أربابها.. أمضوا عزائمهم على الخروج إليها، وكانت القدس نهاية أمانيهم منها”!!

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.